المحقق البحراني
285
الكشكول
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) فقال : « كان فلان بن فلان الأنصاري سماه وكان له حرث فكان إذا أخذ يتصدق به يبقى هو وعياله بغير شيء فجعل اللّه ذلك سرفا » وفي صحيحة الوليد بن صبيح قال : كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فجاءه سائل فأعطاه ثم جاء آخر فأعطاه ثم جاء آخر فقال : يوسع اللّه عليك ، ثم قال : « إن رجلا لو كان له مال يبلغ ثلاثين أو أربعين ألف درهم ثم شاء أن لا يبقى منها إلا وضعها في حق فيبقى لا مال له فيكون من الثلاثة الذين يرد دعاؤهم » قلت : من هم ؟ قال : « أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في وجهه ثم قال : يا رب ارزقني ، فيقال له : ألم أرزقك » ومن الظاهر البين أنه متى كان مؤاخذا بإنفاقه غير مستجلب لذلك دعاؤه فهو دليل على كون إنفاقه ذلك معصية ، لأن المعاصي هي التي تحبس الرزق كما ورد في الأدعية والأخبار عن العترة الأطهار . هذه والآيات الواردة بالنهي عن الإسراف والتبذير والأمر بالاقتصاد والقوام في الإنفاق ، وكذلك الأخبار الواردة في ذلك أكثر من أن يسع المقام نشرها . فإذا ثبت تحريم هذا التصدق قبل تعلق النذر به فلا إشكال ولا خلاف في عدم انعقاد نذره إذ هو معصية فكيف يصح التقرب به ؟ ولو نوقش في التحريم فلا أقل من الكراهة المستلزمة للمرجوحية وهي كافية في عدم انعقاد النذر . لا يقال : إن الصدقة عبادة ومكروه العبادة بمعنى الأقل ثوابا فلا ينافي انعقاد النذر لأنا نقول : الذي ترجح عندنا من الأخبار هو التحريم لكن لو تنزلت المنازع ينازع في ذلك فلا أقل من الكراهة وليست الكراهة كما مر بما يتوهم كراهة متعلقة بالصدقة لأن الإنفاق على هذا الوجه لا يدخل في باب الصدقة بوجه ، كيف وهو داخل في باب الإسراف الذي لا يحب اللّه تعالى صاحبه وداخل في باب الإلقاء لليد إلى التهلكة مسجلا عليه بأن صاحبه ما أحسن ولا وفق للخير أو داخل فيما يمنع إجابة الدعاء ، بل المراد بهذه الكراهة إلحاقه بالمباحات المكروهة . فإن قيل : قد ورد في صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي عن الصادق عليه السّلام فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله أنه يقوّم ماله من منزل ومتاع وجميع ما يملكه بقيمة عادلة ثم يضمنها في ذمته ويعود إلى ماله ويتصرف فيه كما كان أولا ، ثم يتصدق بما ضمنه في ذمته من القيمة شيئا فشيئا تدريجا على وسعه حتى ينعقد ، فإنه دال على انعقاد النذر المذكور . قلت : لا ريب أنه قد علم مما قدمنا بيانه كون هذا النذر مخالفا لمقتضى القواعد المقررة المؤيدة بالأخبار الصحيحة الصريحة المشتهرة ، وبموجب ذلك يجب طرح ما عارضها من هذه الرواية وغيرها لكن